أهم الاخبار

استطلاع

احصائيات الموقع

زيارات اليوم: 119
جميع الزيارات: 32242

وزارة التنظيف ...!

مقالة :علي فهد ياسين نشر بتاريخ : 21/12/2017 - 10:51

وزارة التنظيف ...!

 

 

علي فهد ياسين

 

قبل أن يأخذك العنوان الى ملف (تنظيف الفساد) الذي لازال في دائرة التصريحات الاعلامية، دعني أُعيدك الى قصده (تنظيف المدن من النفايات)، فقد أصبح هذا الملف المزمن عصياً على الحل في العاصمة والمحافظات، على الرغم من تأثيراته الخطيرة على صحة المواطنين أولاً، وعلى المظهر الحضاري للمدن العراقية، المنتشرة في ساحاتها وشوارعها اكداس النفايات، ناهيك عن سوء اختيار مواقع الطمر الصحي والنقص الكبير بأعدادها وبدائية تنفيذها وادارتها وادامتها، اضافة الى فوضى القاء النفايات خارجها.

معلوم أن مهمة تنظيف المدن من النفايات واحدة من المهام الاساسية لأمانة العاصمة والبلديات في المحافظات، ولم تكن هناك أزمة في ذلك على مدى تأريخ الدولة العراقية الحديثة، حتى في سنوات الحصار، لغاية سقوط النظام الدكتاتوري، قبل أن تتخلى تلك المؤسسات الرسمية عن هذه المهمة لصالح شركات خاصة بعقود ملياريه، دون مبرر قانوني ولا اقتصادي، ولا بهدف تحسين الكفاءة وضغط النفقات، لتقديم اداء أفضل لخدمة المواطنين.

أحدث ازمات (تنظيف المدن) تبرز اليوم في مركز مدينة البصرة، المحافظة التي تساهم برفد ميزانية العراق بـ (90%) من الايرادات، بعد أن امتنعت شركة التنظيف الخاصة من العمل بسبب عدم دفع استحقاقاتها (40 مليار دينار) لتسعة أشهر، أي أن عقدها السنوي يتجاوز (50 مليار دينار) !!، عجزت الحكومة المحلية عن تسديده ...!

وزارة البلديات اعلنت عن (تسليف) حكومة البصرة (6 مليارات دينار) لحلحلة الازمة، بناءاً على توجيهات رئيس الوزراء، ووزارة النفط اوعزت بمشاركة اليات تابعة للوزارة للمساعدة في مهمة التنظيف، وهي اجراءات مؤقته تدور في فضاء الأزمة ولا تعالج أسبابها الحقيقية، التي هي بالمطلق ناجمة عن تخلي بلدية البصرة عن مسؤوليتها ومهمتها الاساسية في تنظيف مركز المدينة.

في سنوات الوفرة المالية التي اعقبت سقوط الدكتاتورية، كانت الكثير من الحكومات المحلية في المحافظات تعجز عن اكمال صرف ميزانياتها السنوية، وتعيد مبالغاً منها الى خزينة الدولة، وبدلاً من أن تبادر البلديات الى تشكيل فرق فاعلة وكفؤة للخدمات على مستوى الافراد والتجهيزات لتأدية مهمتها الاساسية في خدمة المواطنين، فإنها اعتمدت على اسلوب التعيين المؤقت للعمال الاجراء لقاء اجور منخفضة لا تتناسب مع طبيعة عملهم المهم والشاق، لتعود الى تسريحهم الكيفي لاحقاً بعد اشتداد الازمة المالية، وهو اسلوب تمهيدي لاعتمادها شركات النظافة الخاصة، تحقيقاً للعمولات المدفوعة لإصحاب القرار .

إذا اعتمدنا عقد الـ (50) مليار دينار لتنظيف مركز مدينة البصرة قياساً، سيكون المبلغ الاجمالي لتنظيف المدن العراقية أكثر من (ترليون دينار)، وهو رقم كبير وكاف لتغطية حاجات البلديات لتقوم بواجباتها كما ينبغي، ويمثل أضعاف ميزانية البلديات العراقية في العهود السابقة، عندما كانت الفرق البلدية تقدم خدماتها للمواطنين ضمن واجباتها الاساسية على أفضل ما يكون، قبل خصخصتها لصالح الشركات التي تمثل أذرعاً للفساد الناشط تحت مظلات الحماية المفتوحة من مراكز القرار.

إذا كانت الحكومات المحلية غير قادرة على ادارة ملف (تنظيف المدن) بكفاءة ومهنية طوال السنوات الماضية، فما بالك بالملفات السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية التي تحتاج الى رؤى واساليب اداء ومبادرات وحوارات انسانية وعلمية واجتماعية لتحقيق أفضل النتائج والانجازات لخدمة المواطنين ؟!.

يبدو ان ملف (تنظيف المدن) يحتاج الى وزارة جديدة باسم (وزارة التنظيف)، لتكون سابقة عراقية جديدة في (تطوير) الديمقراطية ...! .